يقدم هذا الدليل نظرة شاملة على بورصة تونس، مستعرضاً أداء مؤشر TUNINDEX، وأبرز الشركات المدرجة، والبيئة التنظيمية للاستثمار. كما يسلط الضوء على الفرص المتاحة في قطاعات البنوك والأغذية، مع تحليل دقيق للمخاطر المرتبطة بالسيولة وتقلبات العملة.
تعد بورصة تونس (BVMT) السوق المالية الوحيدة في تونس. تأسست عام 1969 وخضعت لإصلاحات جوهرية بموجب قانون السوق المالية لعام 1994، وهي تمثل السوق المنظمة لتداول الأسهم والسندات والأوراق المالية الأخرى. تخضع البورصة لرقابة مجلس السوق المالية (CMF)، وأصبحت عضواً منتسباً في الاتحاد العالمي للبورصات في مايو 2019.
بحلول أواخر عام 2025، كان هناك 75 شركة مدرجة في بورصة تونس، مع قيمة سوقية إجمالية بلغت رقماً قياسياً قدره 34.7 مليار دينار تونسي (TND)، بزيادة استثنائية بلغت +30.98% خلال العام. بلغ إجمالي حجم التداول 3,675 مليون TND في عام 2024، بزيادة قدرها +33.2% على أساس سنوي. تشير هذه الأرقام إلى سوق يكتسب زخماً، رغم صغر حجمه وفقاً للمعايير العالمية.
لمحة تاريخية: من التأسيس إلى التعافي بعد الثورة
تتوزع قصة بورصة تونس على عدة حقب متميزة. بعد تأسيسها عام 1969، شهدت السوق تحديثاً حاسماً بفضل إصلاح عام 1994 الذي أنشأ البورصة بشكلها الحالي وأسس مجلس السوق المالية كجهة رقابية مستقلة. تم إطلاق المؤشر المرجعي TUNINDEX في عام 1998 بقيمة أساسية قدرها 1,000 نقطة.
وجهت ثورة 2011 ضربة قوية للسوق، حيث فقد مؤشر TUNINDEX حوالي ثلث قيمته في غضون أشهر. ظلت السوق تعاني حتى عام 2015 بسبب عدم الاستقرار السياسي وحذر المستثمرين. بدأ التعافي في عام 2016، مع مكاسب سنوية بلغت +8.86% في 2016 و+14.45% في 2017، مدفوعة بالإصلاحات الاقتصادية وعودة الثقة.
أداء TUNINDEX: خمس سنوات متتالية من المكاسب
سجل مؤشر TUNINDEX مساراً صعودياً ملحوظاً منذ عام 2021. وتتحدث العوائد السنوية عن نفسها:
•2025: +35.12% (العام الخامس على التوالي من المكاسب)
بحلول منتصف مارس 2026، كان المؤشر يقترب من مستويات قياسية تاريخية عند 15,414 نقطة، بزيادة قدرها +42.8% خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وقد استمد هذا الأداء الاستثنائي قوته من الأرباح القوية للشركات ذات القيمة السوقية الكبرى.
تهيمن مجموعة من الشركات الكبرى على السوق التونسية، حيث تمثل الشركات العشر الأكبر وحدها 62.7% من إجمالي القيمة السوقية.
BIAT — أكبر قيمة سوقية
تتصدر البنك العربي لتونس (BIAT) القائمة بقيمة سوقية بلغت 3,828 مليون TND في نهاية عام 2024، وهو ما يمثل 14.5% من السوق. وباعتباره أكبر بنك خاص في تونس، فإنه يعمل في جميع القطاعات المصرفية ويحافظ على سياسة توزيع أرباح ثابتة.
SFBT — رائد قطاع الأغذية والمشروبات
تعد شركة التصنيع والمشروبات بتونس (SFBT) ثاني أكبر شركة مدرجة (3,110 مليون TND، أي 11.8% من السوق). تنتج الشركة علامات تجارية شهيرة بما في ذلك بيرة سلتيا، ومياه سيل، ومشروبات حمود بوعلام الغازية. وتعتبر SFBT واحدة من أكثر الأسهم متابعة من قبل المستثمرين التونسيين.
Attijari Bank والعمالقة المصرفيون
يحتل Attijari Bank (جزء من مجموعة التجاري وفا بنك المغربية) المركز الثالث بقيمة سوقية تبلغ 2,163 مليون TND. وتشمل الأسماء المصرفية الكبرى الأخرى Amen Bank (الذي دخل قائمة الخمسة الأوائل في 2025)، وUIB (مجموعة سوسيتيه جنرال)، وBH Bank، وBNA.
PGH وDelice — قوى الصناعات الغذائية
ضاعفت مجموعة بولينا القابضة (PGH) قيمتها السوقية في عام 2025، مدفوعة بنمو الإيرادات بنسبة +30% في عام 2024. وتعد دليس القابضة، المتخصصة في منتجات الألبان والأغذية المجمدة، قاطرة أخرى للبورصة.
•الشركات المالية (بنوك، تأجير مالي، تأمين): 54.6% من القيمة السوقية
•السلع الاستهلاكية (أغذية، مشروبات): 25.6%
•الصناعات (أدوية، مواد بناء): 9.3%
قاد قطاع التوزيع (+59.3%) والخدمات المالية (+49.8%) أداء القطاعات في عام 2025، يليه قطاع الأغذية الزراعية (+42.6%). وكان قطاع البناء هو المتراجع الوحيد الملحوظ، حيث انخفض بنسبة -3.9% تقريباً.
ساعات التداول وهيكل السوق
تعمل بورصة تونس بنظام جلسة تداول مستمرة من الاثنين إلى الجمعة، من الساعة 9:00 صباحاً حتى 2:00 بعد الظهر بالتوقيت المحلي (UTC+1). وتغلق الجلسة بجلسة تحديد سعر عند الساعة 2:05 بعد الظهر. خلال شهر رمضان، يتم تقليص الساعات لتنتهي الجلسة حوالي الظهر.
تتم التسوية على أساس T+2 منذ أكتوبر 2023. جميع المعاملات مقومة بـ الدينار التونسي (TND). كما تدير البورصة جلسة تداول تكميلية صباح يوم الجمعة.
كيف يمكن للمستثمرين الأجانب الوصول إلى بورصة تونس؟
يمكن للمستثمرين الأجانب الشراء والبيع بحرية في بورصة تونس. ومع ذلك، يجب عليهم التصريح باستثماراتهم لدى البنك المركزي التونسي (BCT) لأغراض مراقبة الصرف. يُسمح بإعادة تحويل رأس المال والأرباح، وفقاً للإجراءات التنظيمية المعمول بها.
في نهاية عام 2024، كان المستثمرون الأجانب يمتلكون حوالي 19.6% من إجمالي القيمة السوقية، معظمها في مراكز استراتيجية في قطاعي البنوك والتأمين.
المعاملة الضريبية
•الأرباح: ضريبة استقطاع بنسبة 15% من المصدر (قد يتم تخفيضها بموجب اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي).
•أرباح رأس المال: استقطاع بنسبة 10% للأفراد غير المقيمين، و20% للكيانات غير المقيمة.
توزيعات الأرباح: ثقافة توزيع قوية
تتمتع تونس بـ ثقافة توزيع أرباح واضحة. في عام 2024، قامت 48 شركة مدرجة بتوزيع أرباح إجمالية بلغت 1,383 مليون TND (بزيادة +11% على أساس سنوي). يبلغ متوسط عائد توزيعات الأرباح في السوق حوالي 5 إلى 6%، وهو مستوى جذاب مقارنة بالأسواق المماثلة.
من بين الشركات التي توزع أرباحاً بانتظام: BIAT، STB، Attijari Bank، PGH، SFBT، Delice Holding، وSAH Lilas. تحقق من تقويم توزيعات أرباح BVMT على Afrivestia لمتابعة التواريخ القادمة.
مخاطر يجب مراعاتها قبل الاستثمار
محدودية السيولة
لا تزال السوق التونسية صغيرة وغير سائلة. بالكاد تتجاوز القيمة السوقية الإجمالية 5% من الناتج المحلي الإجمالي. التداول الحر (Free Float) ضيق، حيث أن العديد من الشركات لديها مساهمون مسيطرون من القطاع العام أو العائلات. يمكن أن تكون فروق أسعار العرض والطلب واسعة، وقد يستغرق الخروج من المركز وقتاً.
مخاطر العملة
شهد الدينار التونسي انخفاضاً كبيراً في السنوات الأخيرة، بنسبة -45% تقريباً مقابل الدولار الأمريكي بين عامي 2020 و2024. بالنسبة للمستثمرين الأجانب، يمكن أن يمتص تآكل العملة هذا جزءاً كبيراً من مكاسب الأسهم. لذا، فإن مراقبة أسعار صرف TND/EUR وTND/USD أمر ضروري.
المخاطر الاقتصادية والسياسية الكلية
لا يزال الاقتصاد التونسي يعتمد بشكل كبير على القطاعات الدورية (السياحة، الفوسفات) ويظل حساساً للتطورات العالمية. عدم الاستقرار السياسي، رغم انخفاضه منذ عام 2020، يظل عاملاً من عوامل الخطر. التضخم، رغم انخفاضه إلى حوالي 5.4% في عام 2025 من 7.0% في عام 2024، لا يزال مرتفعاً وفقاً للمعايير الدولية.
التوقعات الاقتصادية وتأثير السوق
يُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي التونسي بنسبة 2.5% لعام 2025 (ارتفاعاً من 1.6% في 2024). التضخم في انخفاض تدريجي، وتوفر احتياطيات النقد الأجنبي، رغم محدوديتها، بعض الدعم. يبلغ سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي 7% في عام 2026.
في هذا السياق، فإن التوقعات لبورصة تونس إيجابية بحذر. يمكن لبيئة نقدية مستقرة وتعافي معتدل في الطلب المحلي أن يدعم أرباح الشركات المدرجة. يشير الاكتتاب العام الأخير لشركة BNA Assurances (أغسطس 2025) وزيادات رأس المال (البنك العربي لتونس) إلى نشاط متجدد في السوق الأولية.
مقارنة إقليمية: بورصة تونس مقابل الدار البيضاء والقاهرة
داخل شمال أفريقيا، تحتل بورصة تونس موقعاً وسطاً من حيث الحجم. تدرج بورصة الدار البيضاء (المغرب) حوالي 85 شركة بقيمة سوقية تتجاوز 1,000 مليار درهم، أي أكثر من مائة ضعف بورصة تونس. وتضم البورصة المصرية (القاهرة) ما يقرب من 200 ورقة مالية مدرجة وقيمة سوقية تبلغ حوالي 3,356 مليار جنيه مصري في أواخر عام 2025.
ومن المفارقات أن بورصة تونس تفوقت على جارتيها في عام 2025: +30.98% لمؤشر TUNINDEX، مقارنة بـ -8.96% لمؤشر MASI المغربي على أساس الاثني عشر شهراً الماضية. يعكس هذا التفوق قوة أرباح البنوك التونسية وتأثير اللحاق بالركب بعد سنوات من التقييم المنخفض نسبياً. ومع ذلك، تظل أحجام التداول المطلقة أقل بكثير من أحجام التداول في الدار البيضاء أو القاهرة، مما يحد من جاذبيتها للمستثمرين المؤسسيين الذين يبحثون عن سيولة عالية.
التطورات الأخيرة والتحديث
تتابع بورصة تونس مبادرات متعددة لتوسيع قاعدة مستثمريها. في عام 2024، نشرت أول تقرير لها عن المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، مترجماً إلى اللغتين العربية والإنجليزية. أصبح الوصول عبر الهاتف المحمول واسع الانتشار من خلال تطبيقات "BT Bourse Mobile" و"BVMT Mobile"، المتاحة على متجر التطبيقات وGoogle Play.
على الصعيد التنظيمي، أدخلت البورصة جلسة تداول بعد ساعات العمل أيام الجمعة، وتقوم بتحديث تكنولوجيا التداول الخاصة بها تدريجياً. ويجري دراسة سوق العقود الآجلة على مؤشر TUNINDEX لعام 2026، مستوحاة من مبادرة مماثلة في بورصة القاهرة. كما تدعم بورصة تونس النظام البيئي المتنامي للتكنولوجيا المالية، من خلال الشراكة مع الشركات الناشئة لرقمنة تنفيذ الأوامر وتعزيز الاستثمار عبر الإنترنت بين الفئات العمرية الشابة.
الخاتمة: سوق متخصصة ذات إمكانات صعودية قوية
تقدم بورصة تونس ملفاً مميزاً للمستثمرين الباحثين عن تنويع استثماراتهم في أفريقيا: عوائد توزيعات أرباح جذابة، ومسار صعودي مستمر منذ خمس سنوات، ومجموعة من الشركات المدارة جيداً في قطاعي البنوك والأغذية. المخاطر - السيولة، العملة، البيئة الكلية - حقيقية ولكنها محددة جيداً، وهي تكافئ المستثمرين الصبورين.
مع 75 شركة مدرجة، ومتوسط عائد توزيعات أرباح يتراوح بين 5 إلى 6%، ومؤشر TUNINDEX الذي تضاعف أكثر من مرتين خلال خمس سنوات، تستحق السوق التونسية اهتمام أي شخص مهتم بالقارة الأفريقية. سيتمثل التحدي الذي يواجه بورصة تونس في المستقبل في توسيع قاعدة مستثمريها، وتحسين السيولة، وجذب المزيد من الاكتتابات العامة لتنويع عروضها بعيداً عن البنوك والسلع الاستهلاكية الأساسية.
لاستكشاف الأسهم التونسية ومؤشراتها الفنية، توجه إلى Afrivestia.